ابراهيم بن محمد البيهقي

376

المحاسن والمساوئ

قال : ولمّا قالت التغلبيّة للجحّاف بن حكيم في وقعة البشر : فضّ اللّه عمادك ، وأطال سهادك ، وسلبك حياتك ، فو اللّه لئن قتلت إلّا نساء كالدّمى أو أسافلهنّ دميّ وأعاليهنّ ثديّ . فقال لمن حوله : لولا أن يلد منها حكيم لخلّيت سبيلها . فبلغ ذلك الحسن البصري فقال : إنّما الجحّاف جذوة من نار جهنّم . قيل : ولمّا بنى زياد البيضاء بالبصرة أمر أصحابه أن يسمعوا من أفواه الناس ، فأتي برجل قيل إنّه تلا : أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [ الشعراء : 128 - 129 ] . فقال : ما دعاك إلى هذا ؟ قال : آية من كتاب اللّه عز وجل حضرت . قال : واللّه لأعلمن فيك الآية الثانية : وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [ الشعراء : 130 ] . فأمر فبني عليه ركن من أركان القصر . قيل : إنّ الحجّاج لمّا أتى المدينة أرسل إلى حسن بن حسن فقال : هات سيف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ودرعه . فقال : لا أفعل . قال : فجاء الحجّاج بالسيف والسوط والعصا فقال : واللّه لأضربنّك بهذا السوط حتى أقطعه ، ثمّ لأضربنّك بهذا السيف حتى تبرد أو تأتيني بهما ! فقال الناس : يا أبا محمّد لا تتعرّضن لهذا الجبّار . قال : فجاء الحسن بسيف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ودرعه فوضعهما بين يدي الحجّاج فأرسل الحجاج إلى رجل من آل أبي رافع فقال له : هل تعرف سيف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ فخلطه بين أسيافه ثمّ قال : أخرجه ، فأخرجه . ثمّ جاء بالدرع فنظر إليها فقال : هناك علامة كانت على الفضل بن العبّاس يوم اليرموك فطعن بحربة فخرقت الدرع . فرفعناها فوجدنا الدرع على ما قال . فقال الحجّاج للحسن : أما واللّه لو لم تجئني به وجئت بغيره لضربت به رأسك . وذكروا أن الحجّاج قال يوما لحاجبه : اعسس « 1 » الليلة بنفسك فمن وجدته فجئني به ، فلمّا أصبح أتاه بثلاثة نفر ، فقال الحجّاج لواحد منهم : ما كان سبب خروجك بالليل وقد نادى مناد ألّا يخرج أحد ليلا ؟ فقال : أصلح اللّه الأمير ! كنت سكران فغلبني السكر فخرجت ولا أعقل . ففكّر الحجّاج ساعة ثمّ قال : سكران غلبه سكره خلّوا عنه لا تعودنّ . وقال للآخر : فأنت ما كان سببك ؟ قال : أصلح اللّه الأمير ! كنت مع قوم في مجلس يشربون فوقعت بينهم عربدة فخفت على نفسي فخرجت . ففكّر الحجّاج في نفسه ثمّ قال : رجل أحبّ المسالمة خلّوا عنه . ثمّ قال للآخر : ما كان سبب خروجك ؟ قال : لي والدة عجوز وأنا رجل حمّال فرجعت إلى بيتي فقالت والدتي : ما ذقت اليوم طعاما ، فخرجت ألتمس لها ذلك فأخذني عسس الأمير . ففكّر ساعة ثمّ قال : يا غلام اضرب عنقه . فإذا رأسه بين رجليه .

--> ( 1 ) اعسس : عسس أي طاف بالليل .